سميح دغيم
80
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
قابلة للعدم ، وقابلة للوجود على السويّة . ولم يكن هناك البتّة ما يقتضي رجحان وجودها على عدمها . فلو اعتقد معتقد فيها : كونها راجحة الوجود على العدم ، كان ذلك الاعتقاد : اعتقادا غير مطابق . فكان جهلا . والجهل على اللّه محال . فثبت : أنّه تعالى لو لم تتعلّق قدرته في الأزل بإيقاع تلك الأفعال في لا يزال ، ولم يتعلّق أيضا بإيقاع ما يوجب وقوع تلك الأفعال في لا يزال ، كان اعتقاد أنها ستقع في لا يزال ، اعتقادا غير مطابق للمعتقد ، وإنّه جهل . وهو على اللّه محال . وإذا كان الأمر كذلك ، وجب أن يقال : إنّ قدرته تعالى في الأزل ، تعلّقت بإيقاع هذه الأفعال في لا يزال ، أو بإيقاع ما يوجب هذه الأفعال في لا يزال ، حتى يكون علمه بأنّها ستقع في لا يزال : علما ، ولا يكون جهلا . ( مطل 9 ، 58 ، 1 ) - إنّ فعل العبد لمّا كان واجب الوقوع في ذلك الوقت المعيّن . فإمّا أن يكون وجوبه لذاته . وهو محال . لأنّ الممكن لذاته ، لا يكون واجبا لذاته . وإمّا أن يكون وجوبه لغيره وذلك الغير . إمّا العبد ، وإمّا اللّه . والأوّل باطل . لأنّ الفعل الذي علم اللّه ، وقوعه في الوقت الفلاني محكوم عليه في الأزل بأنّه واجب أن يقع في الوقت الفلاني في لا يزال . فالوجوب بهذا التفسير حاصل في الأزل ، بما لا يكون حاصلا في الأزل : محال . ولمّا بطل هذا ، ثبت : أنّ المؤثّر في حصول الوجوب بالتفسير الذي ذكرناه : صفة من صفات اللّه تعالى . وتلك الصفة . إمّا العلم ، وإمّا غيره . والأوّل باطل . لأنّ العلم يتعلّق بالمعلوم على ما هو عليه ، وهو يتبع المعلوم ولا يستتبعه . فيمتنع أن يكون المقتضي لهذا الوجوب هو علم اللّه . فثبت : أنّ المقتضي لهذا الوجوب : صفة من صفات اللّه ، باشرها في ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر ، وتلك الصفة ليست إلّا القدرة أو الإرادة . فثبت : أنّ المؤثّر في وقوع أفعال العباد ، ليس إلّا قدرة اللّه إمّا ابتداء أو بواسطة . وذلك هو المطلوب . ( مطل 9 ، 64 ، 13 ) - إن العبد غير عالم بتفاصيل أفعال نفسه . فيدلّ عليه وجوه : الأول : إنّ النائم والساهي قد يصدر عنهم كثير من الأفعال الاختياريّة ، مع أنّه لا شعور لهم بتفاصيل تلك الأفعال لا بكمّيتها ولا بكيفيّتها . الثاني : إنّ الإنسان إذا حرّك بدنه وجثّته ، فلا شكّ أنّ بدنه مؤلّف من أجزاء كثيرة موجودة بالفعل . أمّا عند من يثبت الجوهر الفرد ، فلا شكّ فيه . وأمّا عند من ينكره ، فلا شكّ أنّه معترف بأنّ مجموع البدن ، مؤلّف من الأعضاء البسيطة - أعني العظام والغضاريف والأعصاب والعضلات والرباطات ، إلى غير ذلك من الأعضاء البسيطة - فإذا حرّك الإنسان بدنه ، فلا معنى لهذا التحريك إلّا أنّه حرّك مجموع تلك الأجزاء ، لكنّا نعلم بالضرورة أنّه البتّة غير عالم بأعداد تلك الأعضاء . وأيضا : فلا شكّ أنّه لمّا حرّك بدنه ، فقد نقل تلك الجثة من حيّز إلى حيّز ، ومرّ بما بين الطرفين ، مع أنّه غير عالم بأعداد تلك الأحياز فلا يمكنه أن يعلم ما بين مبدأ تلك الحركة إلى منتهاها . وأيضا : فلا شكّ أنّ تلك الحركة وقعت في مقدار معيّن من الزمان ، وذلك القدر المعيّن من الزمان ، مركّب من آنات متتالية متعاقبة .